الشنقيطي
275
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
مَرَدًّا ( 76 ) [ 76 ] . قوله جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً دليل على رجحان القول الثّاني في الآية المتقدّمة . وأنّ المعنى : أنّ من كان في الضّلالة زاده اللّه ضلالة ، ومن اهتدى زاده اللّه هدى . والآيات الدّالّة على هذا المعنى كثيرة ، كقوله في الضلال فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] ، وقوله : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 155 ] ، وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [ المنافقون : 3 ] ، وقوله تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الأنعام : 110 ] الآية ، كما قدّمنا كثيرا من الآيات الدّالّة على هذا المعنى . وقال في الهدى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) [ محمد : 17 ] ، وقال : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [ الفتح : 4 ] ، وقال : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] الآية : وقد جمع بينهما في آيات أخر ؛ كقوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 82 ) [ الإسراء : 82 ] ، وقوله تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [ فصلت : 44 ] الآية ، وقوله تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 ) [ التوبة : 124 - 125 ] كما تقدم إيضاحه . وقوله : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 ) تقدم إيضاحه في سورة « الكهف » . فإن قيل : ظاهر الآية أنّ لفظة خَيْرٌ في قوله : ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 ) صيغة تفضيل ، والظّاهر أنّ المفضّل عليه هو جزاء الكافرين ؛ ويدلّ لذلك ما قاله صاحب الدّرّ المنثور ، قال : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً . يعني خير جزاء من جزاء المشركين . وَخَيْرٌ مَرَدًّا يعني مرجحا من مرجعهم إلى النّار . والمعروف في العربيّة أنّ صيغة التّفضيل تقتضي مشاركة المفضّل عليه . والخيريّة منفيّة بتاتا عن جزاء المشركين وعن مردّهم ، فلم يشاركوا في ذلك المسلمين حتّى يفضّلوا عليهم . فالجواب - أنّ الزّمخشري في كشّافه حاول الجواب عن هذا السّؤال بما حاصله : أنّه كأنّه قيل ثوابهم النّار ، والجنّة خير منها على طريقة قول بشر بن أبي حازم : غضبت تميم أن تقتّل عامر * يوم النّسار فأعتبوا بالصّيلم فقوله : « أعتبوا بالصّيلم » يعني أرضوا بالسّيف ، أي لا رضى لهم عندنا إلّا السيّف لقتلهم به . ونظيره قول عمرو بن معدي كرب :